عمالة سائبة‮.. ‬وخادمة راتبها الشهري‮ ‬750‮ ‬ديناراً‮!

اتجاهات 

فيصل الشيخ  

لن أتشعب في‮ ‬الحديث هنا عن قرار إلغاء نظام الكفيل الذي‮ ‬يثير جدلاً‮ ‬واسعاً‮ ‬هذه الأيام ويلقى ردود فعل أغلبها متخوف من إقرار هذا القانون،‮ ‬بل الحديث‮ ‬يفرض نفسه هنا عن العمالة السائبة التي‮ ‬باتت سمة بارزة في‮ ‬البحرين وفي‮ ‬بعض البؤر المعروفة بأنها تجمع لعمال‮ ”‬الفري‮ ‬فيزا‮”.‬ لدينا وزارة كانت معنية بالقضاء على هذه الظاهرة،‮ ‬وتداخلت معها الآن هيئة تنظيم سوق العمل،‮ ‬إلا أن الملاحظ استمرار هذه الظاهرة،‮ ‬بل تزايدها في‮ ‬بعض المناطق وبطريقة‮ ”‬عيني‮ ‬عينك‮”‬،‮ ‬في‮ ‬وقت نتساءل فيه عن‮ ‬غياب الحملات التفتيشية الصارمة،‮ ‬وعن الإحصائيات الدورية التي‮ ‬تشير أرقامها إلى جدية محاربة هذه الظاهرة‮.‬

بالأمس فقط،‮ ‬هاتفني‮ ‬أحد المواطنين متحدثاً‮ ‬بحرقة عما‮ ‬يحصل في‮ ‬ممشى عراد بسبب العمالة السائبة‮. ‬

يقول الأخ بأن الممشى الذي‮ ‬أنشئ لأجل استخدام المواطنين وعائلاتهم‮ ‬يتحول في‮ ‬المساء إلى نقطة تجمع لهؤلاء العمال الذين‮ ‬يدورون حاملين أدوات‮ ‬غسيل السيارات ويعسكرون في‮ ‬منطقة الممشى بطريقة‮ ‬غير حضارية لاصطياد أي‮ ‬سيارة قادمة‮ ‬يلوحون لقائدها إن كانت لديه نية في‮ ‬غسيل سريع لها لا‮ ‬يتعدى العشرين دقيقة مقابل دينار واحد‮.‬ تخيلوا الممشى الذي‮ ‬يستخدمه المواطنون‮ ‬يعج بأكثر من عشرين عاملاً،‮ ‬والناس هناك‮ ‬يعتريها الاستياء،‮ ‬وأولياء الأمور‮ ‬يتخوفون من وجود أبنائهم وخاصة فتياتهم في‮ ‬المكان،‮ ‬بل‮ ‬يقول الأخ المتصل بأنه من الاستحالة أن تنعم بأجواء هادئة في‮ ‬ظل تكدس هذا الكم من العمال،‮ ‬والذين بعضهم بالتأكيد‮ ‬يندرجون تحت تصنيف عمال‮ ”‬الفري‮ ‬فيزا‮”‬،‮ ‬وبعضهم الآخر لديهم أعمالهم الصباحية سواء في‮ ‬قطاع الإنشاءات وغيرها،‮ ‬وفي‮ ‬الفترة المسائية‮ ‬يعملون في‮ ‬هذه الصنعة بغية الحصول على المزيد من المال‮.‬

يمضي‮ ‬الأخ المتصل ليقول‮: ‬تخيل عدد الدراجات الهوائية الخاصة بهذه العمالة،‮ ‬والتي‮ ‬تتواجد في‮ ‬هذه المنطقة‮! ‬ويضيف‮: ‬بعض الدراجات تجد فيها أشياء‮ ‬غريبة معلقة،‮ ‬إذ هل تتخيل وجود‮ ”‬منجل‮” ‬يستخدم في‮ ‬قطع النباتات والأعشاب في‮ ‬أحد الدراجات،‮ ‬بل‮ ‬يتدلى منها بصورة واضحة؟‮!‬ حملات التفتيش على هذه العمالة لا أثر لها،‮ ‬وهذا الموقع‮ (‬ممشى عراد‮) ‬ليس الوحيد الذي‮ ‬يمكن ملاحظة هذه الظاهرة فيه،‮ ‬إذ أغلب المواطنين‮ ‬يعرفون أماكن عديدة ما أن توقف سيارتك حتى‮ ‬يهرع إليك أكثر من عامل آسيوي‮ ‬يسألك إن كنت تريد‮ ‬غسل سيارتك‮. ‬

حتى دوريات المرور،‮ ‬بحسب المتصل،‮ ‬لا تتواجد بكثافة،‮ ‬ويقول هنا‮: ‬نتذكر ما كان‮ ‬يحصل في‮ ‬السابق حين كنا صغاراً،‮ ‬يوم كنا نخرج في‮ ‬الشوارع بدراجاتنا الهوائية ونلمح دورية مرورية فنخاف أن تتم مصادرة دراجاتنا‮. ‬

واليوم أغلب دراجات هذه العمالة تكون مركونة في‮ ‬أماكن تجمع للناس،‮ ‬وبعضها لا اشتراطات سلامة فيها،‮ ‬وبعضها تحمل فيها أدوات‮ ‬غريبة كالمنجل على سبيل المثال‮.

‬ويتساءل‮: ‬ألا‮ ‬يفترض أن تكون الجهات المسؤولة أكثر حزماً‮ ‬في‮ ‬هذا الشأن،‮ ‬خاصة فيما‮ ‬يتعلق بالأماكن العامة‮.‬

هذه ملاحظة من قارئ تحدث معي‮ ‬بحرقة بالأمس،‮ ‬وعدته بإيصال صوته للمسؤولين،‮ ‬ثقة بوجود تحركات في‮ ‬هذا الشأن‮. ‬

إذ تكفي‮ ‬زيارة لبعض المواقع التي‮ ‬تتضمن مثل هذه الظاهرة لمعرفة مدى تفشيها،‮ ‬والصورة‮ ‬غير الحضارية التي‮ ‬تفرزها‮.‬

أما بشأن عمالة‮ ”‬الفري‮ ‬فيزا‮”‬،‮ ‬فهنا نتمنى أن تكون هناك بالفعل تحركات جادة من الجهات المسؤولة سواء وزارة العمل أو هيئة تنظيم سوق العمل،‮ ‬إذ من‮ ‬غير المعقول أن نتفاخر بالقضاء على البطالة ونعتبرها إنجازاً‮ ‬يصب في‮ ‬رصيد بعض المسؤولين‮ (‬رغم أنه ما كان لتتحقق لولا الاستقطاع من رواتب الناس،‮ ‬لا باستراتيجية حقيقية لا تفرض ضريبة على الناس‮)‬،‮ ‬أقول من‮ ‬غير المعقول أن نتفاخر بذلك في‮ ‬حين العمالة السائبة واضحة في‮ ‬البلد،‮ ‬بل باتت توجد أحياء معينة في‮ ”‬دواعيسها‮” ‬تتكدس شلل وجماعات تعمل في‮ ‬كل الأعمال مخالفة للقوانين‮.‬

خذوا على سبيل المثال ظاهرة خدم المنازل،‮ ‬إذ بعد أن كانت الأسر تجلب خادمة من الخارج مقابل مبالغ‮ ‬تبدأ من‮ ‬40‮ ‬ديناراً‮ ‬وتصل إلى‮ ‬75‮ ‬ديناراً،‮ ‬نجد أن الحال تغير بسبب ظاهرة‮ ”‬الفري‮ ‬فيزا‮”‬،‮ ‬إذ في‮ ‬أحد الأمثلة خادمة أنهت فترتها وعادت لبلادها،‮ ‬لا تمضي‮ ‬فترة حتى تعود مجدداً‮ ‬لتعمل كخادمة‮ ”‬فري‮ ‬فيزا‮”‬،‮ ‬بمعنى أنها لا تستقر في‮ ‬منزل واحد،‮ ‬بل تعمل‮ ”‬بالساعة‮”. ‬

وهنا لنأتي‮ ‬لنحسبها،‮ ‬إن كانت الخادمة ستعمل في‮ ‬خمسة بيوت في‮ ‬اليوم بواقع ساعة لكل بيت،‮ ‬وتتحصل مقابل ذلك على‮ ‬25‮ ‬ديناراً‮ ‬شهرياً،‮ ‬ذلك‮ ‬يعني‮ ‬أنها ستعمل في‮ ‬30‮ ‬بيتاً‮ ‬كل بيت تتحصل منه على‮ ‬25‮ ‬ديناراً،‮ ‬ما‮ ‬يعني‮ ‬750‮ ‬ديناراً‮ ‬شهرياً،‮ ‬طبعاً‮ ‬مع منحها لنفسها إجازة أسبوعية،‮ ‬ولو عملت فيها لزاد مدخولها إلى‮ ‬875‮ ‬ديناراً‮!!‬ لا أبالغ‮ ‬هنا،‮ ‬أو أخترع أشياء من نسج الخيال،‮ ‬إذ‮ ‬يكفي‮ ‬سؤال الناس عن صحة كل هذا،‮ ‬وهل بالفعل لدينا مشكلة في‮ ‬العمالة السائبة وظاهرة‮ ”‬الفري‮ ‬فيزا‮”‬؟‮!‬ البطولة بأن نقضي‮ ‬على مثل هذه الظواهر الخاطئة والتي‮ ‬تشوه شكل البلد،‮ ‬والتي‮ ‬تبين بأن حتى القوانين لدينا‮ ‬يمكن القفز عليها،‮ ‬إن ضعف الاهتمام وغابت الرقابة‮.‬

معقولة خادمة‮ ”‬فري‮ ‬فيزا‮” ‬مدخولها الشهري‮ ‬أكثر من متوسط رواتب الشعب؟‮! ‬من المسؤول عما‮ ‬يحصل هنا‮ ‬يا جماعة‮.‬

اتجاه معاكس‮:‬ ؟ الدولة مضطرة لأن تقترض ما‮ ‬يقارب الـ450‮ ‬مليوناً‮ ‬لتغطية العجز في‮ ‬موازنة‮ ‬‭,‬2009‮ ‬في‮ ‬وقت تم فيه إقرار تقاعد النواب وزيادة كبار مسؤولي‮ ‬الدولة،‮ ‬والقلق الآن من تحريك ملف زيادة رواتب البرلمانيين في‮ ‬دور الانعقاد القادم‮. ‬

نعاني‮ ‬من عجز واضح لكن مشاريع‮ ”‬زيادة العبء على الميزانية‮” ‬تتواصل‮. ‬

لا نريد أن نكدر المواطنين،‮ ‬لكن نخشى أن تكون مسألة زيادة رواتب الناس حلماً‮ ‬يستحيل تحقيقه في‮ ‬القريب العاجل‮.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *